فخر الدين الرازي

253

المطالب العالية من العلم الإلهي

عن أحوال الدنيا وفتشوا عن أخبارها ، وجدوا أن كل طائفة كان تمسكهم بعبودية اللّه أشد ، وكان اشتغالهم بعبادة اللّه أكثر ، وكانت مواظبتهم على ذكر اللّه [ تعالى ] « 1 » وعلى الفكرة في دلائل اللّه أكثر ؛ كانوا في الدنيا أحسن ذكرا ، وأطول أعمارا ، وأكثر خيرا ونعمة ، وأبعد عن الشرور ، والآفات ، وأقرب إلى دوام الخيرات والسعادات . وكل من كان أبعد عن طاعة اللّه ، وأكثر استغراقا في طلب الدنيا وحبها ، كانوا إلى الهلاك والشرور أقرب ، وإلى الوقوع في الآفات والمخافات أوصل . وهذه أحوال لا يعرفها إلا من طالت تجربته في أحوال أهل الدنيا ، وكثرت فكرته في كيفية أحوالهم ، وطالع أيضا كتب التواريخ ، وعرف أحوال الماضين من المقرين والمنكرين ، فإنه يقطع بعد التجربة التي ذكرناها وبعد الأفكار التي أرشدنا إليها : أن الأمر كما ذكرناه ، وأنه لا شبهة في حقيقة ما ادعيناه . ومما يقوى ذلك وجوه : الأول : إن وقوع الظلمة ، وطلاب الدنيا في أنواع القتل والنهب ، أكثر من وقوع أهل العلم والعمل ، في تلك الآفات . الثاني : إن المدرسة الحقيرة [ المبنية ] « 2 » لأهل العلم ، والرباط الحقير المبني لأهل الطاعة قد يبقى مائتي « 3 » سنة أو ثلاثمائة سنة ، وأما القصور العالية ، والأبنية المشيدة التي للملوك ، فإنها لا تبقى إلا زمانا قليلا ، وذلك يدل على ما قلناه . الثالث : إن باني المدارس والرباطات ، كلما كان أقرب إلى الدين والطاعة ، كانت أبنيته أبقى . الرابع : إن ذكر أهل « 4 » العلم وأهل الدين أبقى من ذكر الظلمة وأهل الشر .

--> ( 1 ) من ( س ) . ( 2 ) من ( س ) . ( 3 ) مائة ( س ) . ( 4 ) أهل الدين والطاعة ( س ) .